يقف في قلب الحي الأرمني في القدس مبنى حجري قديم يعود إلى القرن التاسع عشر. لم يكن هذا المبنى متحفًا دائمًا ، فقد عرف أدوارًا مختلفة عبر الزمن، ارتبطت بتاريخ جماعة الأرمن في المدينة. بُني المتحف في البداية كبيت ضيافة للحجاج الأرمن القادمين إلى الأرض المقدسة، ثم تحوّل بعد الحرب العالمية الأولى إلى دار للأيتام الذين فقدوا عائلاتهم خلال الإبادة الجماعية للأرمن على يد العثمانيين عام 1915. هناك، عاش عشرات الأطفال وتعلموا داخل جدران هذا المكان الذي أصبح رمزًا لبداية جديدة لجالية نجت من واحدة من أكثر المآسي الإنسانية قسوة.
على مر العقود، تغيّر استخدام المبنى أكثر من مرة. فبعد أن كان ديرًا ودارًا للأيتام، أصبح مدرسة دينية، ثم مكتبة ومتحفًا صغيرًا يحتفظ بذاكرة المجتمع الأرمني في القدس. اليوم، يشكّل الأرمن في المدينة جماعة صغيرة يبلغ عددها نحو ستة آلاف شخص، يعيش أغلبهم داخل الحي الأرمني القريب من كاتدرائية القديس يعقوب، وهي واحدة من أقدم الكنائس في القدس، يعود تاريخها إلى القرن الثاني عشر. ظلّ هذا الحي المغلق إلى حد كبير على مدى قرون مركز الحياة الثقافية والدينية للأرمن، وحافظ على لغتهم وتراثهم في قلب مدينة متعددة الهويات.

أُعيد افتتاح متحف “مرديكيان” في أواخر عام 2022 بعد عملية ترميم واسعة استمرت أكثر من خمس سنوات. في حفل الافتتاح، وصف الأب أراكل ألجاليان الحدث بأنه “بداية فصل جديد من الوجود الأرمني في المدينة المقدسة”. يضمّ المتحف اليوم مجموعة واسعة من المعروضات التي توثّق الإبادة الجماعية للأرمن وتاريخهم في القدس. في وسط القاعة الرئيسية، تعرض فسيفساء جميلة نُقلت بعناية من موقع أثري قرب باب العامود عام 2019، بالتعاون بين سلطة الآثار والبطريركية الأرمنية.
كما يحتوي المتحف على مخطوطات نادرة، وثياب كهنوتية مطرزة، وأوانٍ خزفية تبرز مهارة الحرفيين الأرمن الذين اشتهروا بصناعتهم منذ قرون. ما يميز المتحف هو الطريقة التي يربط بها بين الذاكرة والتاريخ، فهو لا يقدّم الماضي كحدث مغلق، بل كحكاية متواصلة عن البقاء والهوية.
