كريمة عبّود: سيرة العدسة الأولى

وُلدت كريمة عبّود في بيت لحم عام 1893 لعائلة بروتستانتية مثقفة، كان والدها القسّ سعيد عبّود، أحد أبرز الوجوه اللوثرية في فلسطين، ووالدتها المعلمة بربارة حدّاد. نشأت عبود في بيت مليء بالكتب، توافد عليه زوار قادمين من أوروبا والأردن ولبنان، تشكّل على اثره وعي مبكر لدى كريمة بوجود عالم أوسع مما تراه الفتاة عادة في بيئتها آنذاك. لم تكن هواية التصوير في بدايات القرن العشرين نشاطًا شائعًا، لكنها دخلت حياتها عبر مصوّر أرمني محلي ساعدها في تعلم الأساسيات، إذ سيطر الأرمن على مهنة التصوير في المشرق منذ القرن التاسع عشر.

832 629

وُلدت كريمة عبّود في بيت لحم عام 1893 لعائلة بروتستانتية مثقفة، كان والدها القسّ سعيد عبّود، أحد أبرز الوجوه اللوثرية في فلسطين، ووالدتها المعلمة بربارة حدّاد. نشأت عبود في بيت مليء بالكتب، توافد عليه زوار قادمين من أوروبا والأردن ولبنان، تشكّل  على اثره وعي مبكر لدى كريمة بوجود عالم أوسع مما تراه الفتاة عادة في بيئتها آنذاك. لم تكن هواية التصوير في بدايات القرن العشرين نشاطًا شائعًا، لكنها دخلت حياتها عبر مصوّر أرمني محلي ساعدها في تعلم الأساسيات،  إذ سيطر الأرمن على مهنة التصوير في المشرق منذ القرن التاسع عشر.

Screenshot 2025 11 18 113621

في عام 1907، أهداها والدها أول كاميرا شخصية. ومع هذه الكاميرا بدأت رحلة كريمة الطويلة في تصوير الأقارب والمناظر الطبيعية حول بيت لحم، ثم توثيق تنقّلات العائلة إلى الناصرة وطبرية وحيفا. كما وفرت رحلات والدها الرعوية  لها فرصة دخول مدن وقرى مختلفة، ورؤية تنوع اجتماعي واسع، ما جعل عدستها لاحقًا متحررة من “لنمط الواحد” الذي هيمن على معظم تصوير تلك الفترة.

Screenshot 2025 11 18 113742

مع بدايات القرن العشرين، بدأت كريمة تعمل بشكل احترافي. كانت النساء في المجتمعات الفلسطينية غالبًا يمتنعن عن التصوير أمام رجال غرباء، كونها  امرأة منحها فرصة نادرة لتوثيق حياة النساء اليومية من الداخل. فظهرت صور الأعراس النسائية، صور العرائس قبل ليلة الزفاف، وصور العائلات في غرف المعيشة في أعمالها بطريقة لا نجدها عند المصورين الرجال في تلك الفترة.

هذه القدرة على الدخول إلى “الفضاء الداخلي” جعلت أرشيفها مختلفًا جذريًا عن الأرشيف الفوتوغرافي الذي تركه المصورون الأوروبيون في البلاد . بينما ركّز الأوروبيون على مشاهد “استشراقية” مصطنعة أو مناظر طبيعية تُقدَّم كأرض شبه خالية، قدّمت كريمة مشاهد بسيطة لكن أصيلة: امرأة تخيط، أطفال يلعبون، مدرسة محلية، سوق مكتظ، عائلة أمام بيتها. لم  تحاول عبود خلق “صورة مثالية”، بل توثيق اللحظات العفوية كما هي.

بحلول عشرينيات القرن العشرين، افتتحت كريمة أول استوديو لها في بيت لحم، ثم عملت في الناصرة وحيفا ويافا. أعلنت عن خدماتها في صحف مثل الكرمل، ووضعت توقيعًا ثابتًا على صورها:
 “K. A.” أو “كريمة عبّود – مصوّرة”
 وهو خيار مهني يوضّح مدى اعتمادها على التصوير كحِرفة لا كهواية فقط.

كانت تستورد ورق الطباعة من مصر، وتلوّن بعض الصور يدويًا، وتتنقّل لالتقاط صور العائلات في منازلها—وهو نموذج عمل يعكس احتياجات المجتمع المحلي أكثر مما يعكس تقليدًا أوروبياً. كما أن امتلاكها سيارة في العشرينيات (وفق شهادات معاصرة) منحها إمكانية الوصول إلى مواقع كثيرة في زمن لم يكن فيه التنقل سهلاً.

بعد وفاتها عام 1940 نتيجة تدهور حالتها الصحية، ظل جزء كبير من أرشيفها في بيت لحم. خلال أحداث 1948، تفرّق هذا الأرشيف، وظهرت آلاف الصور لاحقًا في مجموعات إسرائيلية خاصة. لم يُعرف أنها تعود لكريمة إلا عام 2006 حين ظهرت أربعة ألبومات تحمل توقيعها في مزاد، فبدأ الباحثون تتبع هويتها وبناء أرشيف بصري لها.

اليوم، تعتبر أعمال عبود سجلًا اجتماعيًا مهمًا للبلاد بين العامين1910 و1940، اذ شكلت توثيقت للطبقات الوسطى، لحياة النساء، لطقوس المجتمع، ولشكل المدن قبل التحولات السياسية الكبرى.