عين على الصحافة العثمانية: دخول الكهرباء الأول إلى البلاد

في بدايات القرن العشرين، كانت مدن فلسطين تُضاء بأنوار المصابيح الزيتية والشمع، وتنبض الحياة فيها على إيقاع شروق الشمس وغروبها. مع حلول الليل، كانت الحركة تخفت، وتدخل المدن في هدوء طبيعي فرضته الطبيعة ذاتها. ولكن مع العشرينيات من القرن الماضي، بدأت شرارة الحداثة تشق طريقها إلى فلسطين، عندما وصلت الكهرباء خلال فترة الانتداب البريطاني، لتغيّر

832 629

في بدايات القرن العشرين، كانت مدن فلسطين تُضاء بأنوار المصابيح الزيتية والشمع، وتنبض الحياة فيها على إيقاع شروق الشمس وغروبها. مع حلول الليل، كانت الحركة تخفت، وتدخل المدن في هدوء طبيعي فرضته الطبيعة ذاتها. ولكن مع العشرينيات من القرن الماضي، بدأت شرارة الحداثة تشق طريقها إلى فلسطين، عندما وصلت الكهرباء خلال فترة الانتداب البريطاني، لتغيّر المشهد تمامًا وتؤسس لعصر جديد.

كان دخول الكهرباء إلى فلسطين بمبادرة من شركة كهرباء فلسطين، التي تأسست عام 1923 بقيادة المهندس الروسي اليهودي بينحاس روتنبرغ، والذي حصل على امتياز من سلطات الانتداب البريطاني. وقد أطلقت الشركة مشروعها الأول ببناء محطة توليد طاقة كهرومائية على نهر الأردن بالقرب من جسر المجامع. كان هذا المشروع الطموح هو الأساس لإمداد مدن رئيسية مثل القدس، ويافا، وحيفا بالكهرباء.

كانت القدس من أوائل المدن التي عرفت تأثير الكهرباء، حيث أضاءت الأنوار شوارعها القديمة، وأضاءت المباني الحكومية في اللي. أما يافا، المدينة الساحلية، فقد استفادت من الكهرباء في أسواقها النشيطة وصناعاتها. في حيفا، ساهمت الكهرباء في تشغيل الرافعات الكهربائية في الموانئ، مما عزز التجارة والصناعة. مع هذه التطورات، ظهرت أنماط حياة جديدة؛ الحياة الليلية أصبحت ممكنة، وساعات العمل امتدت، وبدأ الناس يعتادون على عالم لا يعتمد فقط على ضوء النهار.

لم تكن الكهرباء مجرد مصدر طاقة، بل فتحت الأبواب أمام عوالم جديدة من الترفيه والتطور. انتشرت صالات السينما، التي قدمت للجمهور فرصة للاستمتاع بعالم متحرك من الصور والأحداث. في المنازل، حلّت مفاتيح الإضاءة محل المصابيح التقليدية، وأصبح وجود المراوح الكهربائية نعمة في الصيف الحار. أما الصناعات، فقد شهدت طفرة كبيرة، حيث زادت كفاءة الإنتاج في المصانع، من صناعة النسيج إلى تصنيع الأغذية.

لكن هذا التقدم لم يكن خاليًا من التحديات. فقد كانت الكهرباء في البداية مقتصرة على المراكز الحضرية، بينما ظلت المناطق الريفية في الظلام لسنوات طويلة. كما أن تكاليف التركيب العالية جعلت الكهرباء رفاهية لا يستطيع الجميع تحملها، وأثار ذلك بعض الشكوك بين السكان المحليين الذين رأوا في الكهرباء رفاهية غير ضرورية في البداية. ومع ذلك، فإن تأثيرها على الحياة الحضرية كان واضحًا، وسرعان ما أصبحت رمزًا للتطور.