في نهايات القرن التاسع عشر، كانت الدولة العثمانية تحاول جاهدةً الحفاظ على ما تبقّى من هيبتها. الإمبراطورية التي اتّسعت يومًا إلى ثلاث قارات، بدأت تتهاوى تحت ضغط القوميات الناشئة والتدخل الأوروبي. ولضمان بقاء جيشٍ قويّ، أعادت اسطنبول النظر في نظام التجنيد الذي كان في الأصل انتقائيًا وغير متكافئ. فبينما كان المسلمون يُجبرون على الخدمة، كان غير المسلمين يدفعون بدلًا نقديًا يُعفيهم منها، في ظل ما عُرف باسم “البدل العسكري”.
مع إصلاحات القرن التاسع عشر، حاولت الدولة أن تجعل الخدمة العسكرية إلزامية على جميع رعاياها دون تمييز ديني، لكنها اصطدمت برفض واسع من مختلف الطوائف. فقد رأى كثيرون في التجنيد بابًا للفقر والموت، لا للشرف والبطولة. في قرى فلسطين العثمانية مثلًا، كان الأهالي يخفون أبناءهم في الجبال أو يزوّرون أعمارهم للهرب من “السفر برلك” الكلمة التي ما زالت ترنّ في الذاكرة كرمزٍ للتهجير والضياع.
جمال “السفاح“
كان جمال باشا، أحد قادة جمعية الاتحاد والترقي، الرجل الذي حمل هذه السياسة إلى أقصى حدودها. بعد صعوده سلّم القيادة، عُيّن حاكمًا عسكريًا على بلاد الشام وقائدًا للجيش الرابع المتمركز في دمشق. كان اسمه يتردّد في فلسطين ولبنان وسوريا على ألسنة الناس بصفةٍ واحدة: “السفّاح”.
بيدٍ من حديد، فرض التجنيد الإجباري على القرى والمدن. اقتيد آلاف الشبان من القدس ونابلس ويافا إلى جبهات بعيدة لا يعرفون عنها شيئًا، وكثير منهم لم يعد. أُغلقت المدارس، وتحوّلت الساحات العامة إلى نقاط تجنيد. من رفض، حُكم عليه بالسجن أو الإعدام. ومن هرب، أصبحت عائلته تحت المراقبة.
لكن القصة لم تقف عند حدود التجنيد. فسياسات جمال باشا في المنطقة تجاوزت حدود الحرب إلى القمع، الإعدامات، ونقل الأقليات قسرًا. كما أشرف جمال باشا بنفسه على الإبادة الأرمنية، حيث تحوّلت سوريا إلى محطةٍ أخيرة لعشرات الآلاف من المهجّرين.
وبينما كانت السلطنة تبرر أفعالها باسم “الواجب العسكري”، عاش الناس تلك المرحلة كزمنٍ من الخوف والفقد. ترك التجنيد الإجباري ندبة في الوعي الجمعي لا تزال تُروى حتى اليوم، لا كإصلاحٍ حديث، بل كرمزٍ لانكسارٍ إنساني في آخر فصول الدولة العثمانية.


