فوانيس القدس: من علامات الشهر الكريم

في كثير من المدن العربية، يبدأ حضور شهر رمضان في الشوارع قبل أن يبدأ في التقويم السنوي. اذ تظهر الزينة، وتعلَّق الأضواء، وتُعرض الفوانيس في واجهات المحال. وبين هذه المظاهر يبقى فانوس رمضان من أكثر الرموز التي ترتبط بذاكرة الناس عن الشهر الكريم، رغم أنه في الأصل لم يكن سوى أداة بسيطة لإنارة الطريق ليلاً.

في كثير من المدن العربية، يبدأ حضور شهر رمضان في الشوارع قبل أن يبدأ في التقويم السنوي. اذ تظهر الزينة، وتعلَّق الأضواء، وتُعرض الفوانيس في واجهات المحال. وبين هذه المظاهر يبقى فانوس رمضان من أكثر الرموز التي ترتبط بذاكرة الناس عن الشهر الكريم، رغم أنه في الأصل لم يكن سوى أداة بسيطة لإنارة الطريق ليلاً.

كلمة “فانوس” نفسها قديمة، ويُرجَّح أنها مشتقة من أصل إغريقي يدل على أداة للإنارة، ويقابلها في العربية كلمات مثل السراج والقنديل. يُعرَّف في المعاجم الفانوس بأنه مصباح يُحمل في الليل، يُحاط بالزجاج أو بمادة تحمي الضوء من الهواء والمطر.

تشير دراسات في التراث الشعبي إلى أن أشكال الفوانيس تغيّرت عبر الزمن. استخدم الرومان فوانيس لحماية المشاعل الزيتية، ثم ظهرت فوانيس معدنية مثقوبة، وبعدها انتشر الزجاج. وفي المنطقة العربية أصبح الفانوس المصنوع من النحاس المشغول والمطعّم بالزجاج الملوّن الشكل الأكثر حضوراً، خصوصاً في مصر.

أما ارتباط الفانوس برمضان، فتدور حوله روايات متعددة. إحدى أشهرها تعود إلى العصر الفاطمي، حين خرج أهل القاهرة لاستقبال الخليفة المعز لدين الله وهم يحملون المشاعل والفوانيس ليلاً. تحوّل هذا المشهد مع مرور الوقت إلى عادة تتكرر كل عام مع قدوم رمضان. وتقول رواية أخرى إن الأطفال كانوا يخرجون في مواكب استطلاع الهلال حاملين الفوانيس مرددين الأهازيج، فارتبط الفانوس بفرحة استقبال الشهر الكريم.

هناك أيضاً روايات تشير إلى أن الحاكم بأمر الله أمر بإضاءة المساجد والأزقة بالفوانيس طوال رمضان، ما جعل الضوء جزءاً ثابتاً من المشهد الليلي. ومع ذلك، يذكر المؤرخ تقي الدين المقريزي أن المصريين عرفوا أشكالاً شبيهة بالفوانيس قبل العصر الفاطمي، واستخدموها في احتفالات أعياد الميلاد، وهو ما يدل على أن الفانوس كان تقليداً احتفالياً قديماً ثم اكتسب معنى رمضانياً لاحقاً.

تطوّرت صناعة الفوانيس مع الوقت من شمعة داخل هيكل بسيط إلى قطع مزخرفة من النحاس والزجاج، ثم إلى فوانيس حديثة تعمل بالبطاريات وتصدر أغانٍ رمضانية. ولا تزال مناطق مثل خان الخليلي في القاهرة من أشهر الأماكن التي تُصنع وتباع فيها الفوانيس حتى اليوم.

⁨⁨الصنارة⁩, 27 آب 2010⁩

أما في القدس، فقد لا يحتاج زائر المدينة إعلانا رسميا ليعرف أن شهر رمضان للصيام قد اقترب، اذ يكفي أن تبدأ الفوانيس بالظهورعلى أبواب الدكاكين وفي واجهات المحال داخل البلدة القديمة ليصبح لمساء المدينة شكل مختلف.

كثيرون يربطون الفانوس بذاكرة الطفولة أكثر من ربطه بالتاريخ. أطفال يحملونه وهم يمشون مع عائلاتهم بعد الإفطار، يراقبون الألوان تنعكس على الجدران الحجرية، ويقلدون ما شاهدوه في السنوات السابقة. لا أحد يشرح لهم تاريخ الفانوس، لكنهم يصّرون على شرائه و كأنه جزء من الشهر له رمزية عندهم بقدر صوت الأذان أو ازدحام الشوارع قبل المغرب.

في محيط المسجد الأقصى، يصبح حضور الفوانيس أوضح. بعد صلاة التراويح، تبقى الحركة مستمرة، والناس تمشي ببطء، لا أحد يستعجل الاخر. الضوء الصادر من الفوانيس المعلّقة أو المعروضة في المحال يمتزج مع إنارة الساحات، فيعطي المكان إحساساً بالهدوء رغم كثرة الزوار.